محمد خليل المرادي
62
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
الفكرة في دفعه . وذلك قبل إبّان الحصاد ، وقلت في نفسي أنا محسوب آل مراد ، وهذه فرصة أقدّمها بين يدي نحو أملي ، ووسيلة أشكر مساعيها لديكم في عملي . فوضعت النواطير والشحاني « 1 » . ورضيت بذلك مشقّتي وامتهاني . كلّ ذلك وأنا انظر إلى المصلحة بعينين ، وأسلك في طريقي بين جهتين . مراعيا بذلك مصلحة الزرّاع ، وحفظ علاقة سيّدي المطاع . وأملت أن أكون بعد ملتزما للمزارع متعيّشا بها . ومستعينا على الأيّام التي خلّبتني بأنيابها . فبينا أنا في هذا العمل ، ظهر من الجابريّ ما ظهر ، من منعي عنها ، ودعوى الوكالة من طرفه واتفاقه مع الحاج أحمد ، فإنّه آجره كالمعتاد ، أولا بمائتين وستّة وستّين مواضعة ، واشترك معه سرّا ، فلمّا رأى بحثي عنه ترقى في الظاهر إلى أربعمائة ، وقد أخبرت الجناب بأنّ المزارع أقلبت بحيث إنّه يستوفى منها أجرة سنين . تزيد مبلغا على خمسين مضروبة في خمسين ، فهممت ولم أكد ، ونهضت لمدافعته نهوض المقعد . وكنت كمن يطلب ظهور الفجر قبل السّحر من هذه الجيوب العليّة ، وأنا أحاشيك أن تجعلني كالمتمنّي أن يرى فلقا من الصّباح بعد هذا الأمل والارتياح . فالمرجو أن تؤثرني ولا تؤثر عليّ ، وتؤجرني المزارع ثلاث سنين ، وتنقد أجرة منّي أسوة غيري وزيادة ، وأدفع الأجرة سلفا عن سنة كالعادة . وأمّا هذه السنة الشاغرة التي جمعت بيادرها ، وأظهرت ببحثي عمّن قبضها وغادرها ، فهي موقوفة على آرائك . فلا يغرّك الغرور الجابري بالتّرهات . فإنّه جالقي وقته وهيهات ، فإنّي أعرف جزئيها وكليها ، كلّ ذلك عندي في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة . فإن أردت وكّلتني أخدمك بجمعها وتصحيحها وأرسل ذلك إليك والأمر بعد ذلك إليك ، فإن واللّه سروري بقدومك ، اذهلني أن أعطي الأدب حقّه ، وأن أجلو المدائح المسترقّة . انتهى . وكان صاحب الترجمة من أفاضل عصره علما وأدبا ولطفا وديانة . وكفّ في آخر عمره . وقدم دمشق مرارا ، وصار بينه وبين أفاضلها مباحث . وله آداب فائقة ، وأشعار رائقة . دوّنت في مجاميعه . وكانت وفاته بحلب في اثنتين وعشرين من ذي الحجّة سنة تسع وتسعين ومائة وألف . ودفن في مقبرة الحجّاج خارج بان قوسه . رحمه اللّه تعالى . عبد القادر الكدك - 1189 ه عبد القادر بن خليل المدني الحنفي الشهير بالكدك . الشيخ الفاضل الأديب الناظم الناثر الأوحد المفنّن أبو المفاخر زين الدّين . قدم دمشق سنة تسع وسبعين ومائة وألف ، واجتمع بوالدي وامتدحه ، وألّف رسالة باسمه
--> ( 1 ) جمع شحنة . وهم العسس .